حلم المساء
12-31-2005, 12:47 AM
إن لشعر ابن زيدون الغزلي صبغة رومانسية ,لأن الطبيعة أثارت أشجانه،وحركت لواعجه, إبان جولاته في ربوع الأندلس العامرة, وهو هارب من السجن في قرطبة , وملتجئ إلى بني عباد في أشبيلية, حيث كان يرسل للحبيبة الأميرة ولقرطبة الأثيرة مناجيات وجدانية, أبدع فيها أيما إبداع.
لقد بدا في تلك المناجات متحدا مع الطبيعة في مختلف مشاهدها , فتخيل أن الرياض البهية, والنسائم العليلة, والمياه المترقرقة, تشاطره اللوعة على فراق من يحب, لا سيما عندما توقف في مدينة الزهراء, عقب فراره من السجن وأنشد يقول:
إنّي ذكرْتُكِ، بالزّهراء، مشتاقا= والأفقُ طلقٌ ومرْأى الأرض قد راقَا
وَللنّسيمِ اعْتِلالٌ، في أصائِلِهِ= كأنهُ رَقّ لي، فاعْتَلّ إشْفَاقَا
كَأنّ أعْيُنَهُ، إذْ عايَنَتْ أرَقى = بَكَتْ لِما بي، فجالَ الدّمعُ رَقَرَاقَا
كانت غربة ابن زيدون عن قرطبة وولادة حافراً قوياً لمناجاتهما ولتصوير عواطفه المشبوبة نحوهما. وشوقه المبرح إليهما, بأسلوب سلس تفرد به.
واتسم بجرس موسيقي عذب, وديباجة رشيقة, مما حدا بمعاصريه – ومنهم ابن بسام صاحب ((الذخيرة)) – إلى تشبيهه بالبحتري. في مصر سنة 1932,قدمه للقراء بدراسة قيمة, فشبه شعره بشعر العباس بن الأحنف والشريف الرضي , ومجنون ليلي ,فقال:
(( الفن وحده هو الذي أكسب ابن زيدون زعامة الشعر في عصره, وأغرى فحول الشعراء في زمنه وبعده بمحاكاته , والانضواء تحت رايته)).
نرى ابن زيدون يقول قصيدته الخالدة في الوادع:
ودّعَ الصبرَ محبٌّ ودّعَكْ = ذائعٌ منْ سرّهِ ما استودَعَكْ
يقرَعُ السّنَّ على أنْ لمْ يكنْ = زَادَ في تِلْكَ الحُطَا، إذْ شَيّعَكْ
يا أخا البدرِ سناءً وسناً = حفظَ اللهُ زماناً أطلعَكْ
إنْ يَطُلْ، بَعْدَكَ، لَيلي،فلَكَمْ = بِتُّ أشكُو قِصَرَ اللّيْلِ مَعَكْ!
وقد أضحى حب ابن زيدون لولادة أسطورة في التاريخ أدبنا العربي , ما زالت تحث الكتاب والشعراء في المشرق والمغرب على استلهامها. إن حبه الكبير لها كان الجذوة التي أججت عواطفه . وفجرت موهبته, وأوحت إليه روائع شعرية , لاتمل قراءتها , ولا يصعب حفظها.
ومن أجودها وأشهرها قصيدته النونية:
أضْحَى التّنائي بَديلاً مِنْ تَدانِينَا، = وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا
مَنْ مبلغُ الملبسِينا، بانتزاحِهمُ، = حُزْناً، معَ الدهرِ لا يبلى ويُبْلينَا
غِيظَ العِدا مِنْ تَساقِينا الهوَى فدعَوْا= بِأنْ نَغَصَّ، فَقالَ الدّهرًُ آمينَا
فَانحَلّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا؛ = وَانْبَتّ ما كانَ مَوْصُولاً بأيْدِينَا
وَقَدْ نَكُونُ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا، = فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا
يا ليتَ شعرِي، ولم نُعتِبْ أعاديَكم، = هَلْ نَالَ حَظّاً منَ العُتبَى أعادينَا
لم نعتقدْ بعدكمْ إلاّ الوفاء لكُمْ = رَأياً، ولَمْ نَتَقلّدْ غَيرَهُ دِينَا
بِنْتُم وَبِنّا، فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا = شَوْقاً إلَيكُمْ، وَلا جَفّتْ مآقِينَا
نَكادُ، حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمائرُنا، = يَقضي علَينا الأسَى لَوْلا تأسّينَا
وهذه القصيدة آية من آيات الشعر العربي, بل والعالمي, ولو لم يكتب ابن زيدون غيرها لاعترف له مؤخر الأدب بالإبداع سبكا ولغة وإلهاما, وهي ليست قصيدة حب وحنين فقط, فحفظها كان من شروط التحلي بالظرف والأدب عند الأندلسيين, إلى جانب التختم بالعقيق , ولبس البياض, والتفقه للشافعي, ودراسة أدب الجاحظ.
ومما يسترعي الانتباه في شعر ابن زيدون الوجداني طابع الحزن واللوعة , لأن أيام الصفاء في حبه لولادة لم تدوم طويلاً, ولو لم يحصل الجفاء بينهما, ومن ثم الهجر والفراق, لما حظينا بتلك الروائع التي بث فيها أمله وعتبه, ووجده وشكواه. وأنا لا آتي بشيء جديد إذ أقول: إن افتراق العشاق كان وما زال يفجر مواهب الأدباء والشعراء منهم في تاريخ الأدب العالمي. ولقد ترجم النونية المستعرب الإسباني الأستاذ ((إميليو غارثيا غوميث))
ونشرها في كتاب قيم أعده عن شعراء الأندلس, فوجدها ملائمة للذوق الغربي, وعلق على البيت التالي منها:
حالت لفقدكم أيامنا فغدت = سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
فكتب ما يلي: ((يخيل إليك وأنت تمعن النظر في هذا البيت أن ابن زيدون جالس أمام رقعة شطرنج, يتصرف بتحريك حجراتها البيض والسود, فكأنه يخوض شوطاً يائسا حيال حبه العظيم!)).
الحب في رأي ابن زيدون عاطفة نبيلة, والخضوع فيه للمحبوب عز, وليس إذلالا , وعدا أنه كان ينحدر من قبيلة بني مخزوم القرشية فقد وجد نفسه دون حبيبته الأميرة الأموية شرقا في النسب, وأكد لها أن حبه الكبير وكل حب عظيم, يزيل الفوارق بين المحبين.
ما ضَرّ أنْ لمْ نَكُنْ أكفاءه شرَفاً = وَفي المَوَدّة ِ كافٍ مِنْ تَكَافِينَا؟
إن مناجيات ابن زيدون لولادة في غربته عنها تنبئ عن صفاته الإنسانية الجميلة, ومن أهمها الوفاء والإخلاص, وتنبئ عن آلامه وخشيته من غدرها به, لعلمه بان خصومه في قرطبة , وعلى رأسهم ابن عبدوس, قد أوغروا صدرها عليه, طعماً في استمالتها إليهم, ومن هذه المناجيات المؤثرة نذكر مخاطبته لها عندما بعث إليها بالأبيات:
أيُوحِشُني الزّمانُ، وَأنْتَ أُنْسِي= وَيُظْلِمُ لي النّهارُ وَأنتَ شَمْسي؟
وَأغرِسُ في مَحَبّتِكَ الأماني= فأجْني الموتَ منْ ثمرَاتِ غرسِي
لَقَدْ جَازَيْتَ غَدْراً عن وَفَائي= وَبِعْتَ مَوَدّتي، ظُلْماً، ببَخْسِ
ولوْ أنّ الزّمانَ أطاعَ حكْمِي =فديْتُكَ، مِنْ مكارهِهِ، بنَفسي
كما أنه حين اختياره للأوزان الخفيفة والقوافي الجزلة من أهم مزايا تلك المناجيات, ومنها:
متى أبثك ما بي = يا راحتي وعذابي؟
ما البدر شف سناه = على رقيق السحاب
إلا كوجهك لما = أضاء تحت النقاب
أما قصائد حنينه لقرطبة بعد نزوحه عنها فإننا نجد فيها لوعة الذين يغتربون عن أوطانهم وأحبتهم ومرابع طفولتهم, فالإنسان خلق ألوفا, ولا أحسب أن شيئاً يضنيه أكثر من فراق الأرض التي أنبتته, والأماكن التي قضى فيها صباه , إذ مهما أمتد به العمر يظل حبها متأججا في ضلوعه, ويبقى حنينه إليها مشتعلا في قلبه.
ولقد عاش ابن زيدون نصف عمره في الغربة , ولقي كل حفاوة وتكريم في بلاط بتي العباد بإشبيلية كما هو معروف, وتولى الوزارة فيه, كما أحيط برعاية بالغة في زياراته المتعاقبة لملوك الطوائف وأمرائها , أمثال بني الأفطس في بطليموس , والأمير إدريس بن المظفر في ملقة , ولكن المجد الأدبي والمناصب الرفيعة لم تنسه حبه الأول, وهيامه بقرطبة, فظل ينشد القصيد تلو القصيد, دامي القلب دامع العين:
يا دمع صب ما شئت أن تصوبا = ويا فؤادي آن أن تدوبا
قد ملأ الشوق الحشا ندوبا = في الغرب إذ رحت به غريبا
عليل دهر سامني تعذيبا = أدني الضني إذ أبعد الطبيبا!
وعندما طالعه العيدان, عيد الفطر وعيد الأضحى المباركان, وهو في ضيافة الأمير العالم المظفر بن الأفكس أنشد قصيدة عبر فيها عن حنينه الشديد, هذه مطلعها:
خليلي لا فطر يسر ولا أضحى = فما حال من أمس مشوقاً كما أضحى
كما أن له مخمسة رائعة صب فيها بديار صباه , وشوقه لموطن هواه, وضمنها وصفا لتلك الديار , أطلعنا بفضله على ما كانت عليه قرطبة من بهاء وازدهار, فذكر مواقع ومنتزهات كانت عامرة في عصره منها الرصافة , وهي المنتجع الذي بناه الخليفة عبد الرحمن الثالث بجوار قرطبة , حيث ضمن بستان , يقع بالقرب من أحد أبواب قرطبة الواقع في شمالها , وأما عين شهدة, فقد كانت ينبوعاً ثرا ينبجس من سفح الجبل المجاور لقرطبة, يقصده الناس لا للتنزه والسمر في الليالي المقمرة .
ولا بد من الإشارة إلى أن المخمسة التي ذكرها تكاد تكون ملحمة في شعر الشوق والحنين ومطلعها :
أقرطبة الغراء هل فيك مطمع = وهل كبد حرى لبينك تنفع؟
وهل للياليك الحميدة مرجع = إذ الحسن مرأى فيك واللهو مسمع
وقبل أن توافيه المنية ببضعة أشهر قرت عين ابن زيدون بالرجوع إلى قرطبة مظفراً بصحبة حملة عسكرية أرسلها المعتمد بن عباد لإنقاذها من هجوم جيش ملك طليطلة عليها, المأمون بن ذي النون سنة 464هـ وكان مريضاً حينذاك فاشتدت به العلة ومات ودفن غريبا عن مسقط رأسه, وهو دون السبعين من عمره ، فقد ولد سنة 1003م,وتوفي سنة 1070م.
كان نبوغه في الشعر مواكبا لنهضة أدبية وفنية كبيرة في الأندلس, ومع أنه لم يكن شاعر الحب الأوحد في القرن الحادي عشر الميلادي فيها, فقد كان المجلي في ميدانه, لأنه أبدع قصائد رائع , نابعة من تجربته العاطفية المثيرة ومعاناته الصادقة في الاغتراب عن مدينته الأثيرة قرطبة, ولولا تفرده بعذوبة السبك وجزالة الأسلوب , ورقة النبرات وصدقها لما كتب الخلود لشعره في الحب والحنين الذي ما زال يطربنا ويشجينا بعد انقضاء تسعة قرون على زمن أنشاده.
أملي أن يستفيد الجميع .. ولا عدمت تواصلكم وملاحظاتكم
أخوكم / حلم المساء
لقد بدا في تلك المناجات متحدا مع الطبيعة في مختلف مشاهدها , فتخيل أن الرياض البهية, والنسائم العليلة, والمياه المترقرقة, تشاطره اللوعة على فراق من يحب, لا سيما عندما توقف في مدينة الزهراء, عقب فراره من السجن وأنشد يقول:
إنّي ذكرْتُكِ، بالزّهراء، مشتاقا= والأفقُ طلقٌ ومرْأى الأرض قد راقَا
وَللنّسيمِ اعْتِلالٌ، في أصائِلِهِ= كأنهُ رَقّ لي، فاعْتَلّ إشْفَاقَا
كَأنّ أعْيُنَهُ، إذْ عايَنَتْ أرَقى = بَكَتْ لِما بي، فجالَ الدّمعُ رَقَرَاقَا
كانت غربة ابن زيدون عن قرطبة وولادة حافراً قوياً لمناجاتهما ولتصوير عواطفه المشبوبة نحوهما. وشوقه المبرح إليهما, بأسلوب سلس تفرد به.
واتسم بجرس موسيقي عذب, وديباجة رشيقة, مما حدا بمعاصريه – ومنهم ابن بسام صاحب ((الذخيرة)) – إلى تشبيهه بالبحتري. في مصر سنة 1932,قدمه للقراء بدراسة قيمة, فشبه شعره بشعر العباس بن الأحنف والشريف الرضي , ومجنون ليلي ,فقال:
(( الفن وحده هو الذي أكسب ابن زيدون زعامة الشعر في عصره, وأغرى فحول الشعراء في زمنه وبعده بمحاكاته , والانضواء تحت رايته)).
نرى ابن زيدون يقول قصيدته الخالدة في الوادع:
ودّعَ الصبرَ محبٌّ ودّعَكْ = ذائعٌ منْ سرّهِ ما استودَعَكْ
يقرَعُ السّنَّ على أنْ لمْ يكنْ = زَادَ في تِلْكَ الحُطَا، إذْ شَيّعَكْ
يا أخا البدرِ سناءً وسناً = حفظَ اللهُ زماناً أطلعَكْ
إنْ يَطُلْ، بَعْدَكَ، لَيلي،فلَكَمْ = بِتُّ أشكُو قِصَرَ اللّيْلِ مَعَكْ!
وقد أضحى حب ابن زيدون لولادة أسطورة في التاريخ أدبنا العربي , ما زالت تحث الكتاب والشعراء في المشرق والمغرب على استلهامها. إن حبه الكبير لها كان الجذوة التي أججت عواطفه . وفجرت موهبته, وأوحت إليه روائع شعرية , لاتمل قراءتها , ولا يصعب حفظها.
ومن أجودها وأشهرها قصيدته النونية:
أضْحَى التّنائي بَديلاً مِنْ تَدانِينَا، = وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا
مَنْ مبلغُ الملبسِينا، بانتزاحِهمُ، = حُزْناً، معَ الدهرِ لا يبلى ويُبْلينَا
غِيظَ العِدا مِنْ تَساقِينا الهوَى فدعَوْا= بِأنْ نَغَصَّ، فَقالَ الدّهرًُ آمينَا
فَانحَلّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا؛ = وَانْبَتّ ما كانَ مَوْصُولاً بأيْدِينَا
وَقَدْ نَكُونُ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا، = فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا
يا ليتَ شعرِي، ولم نُعتِبْ أعاديَكم، = هَلْ نَالَ حَظّاً منَ العُتبَى أعادينَا
لم نعتقدْ بعدكمْ إلاّ الوفاء لكُمْ = رَأياً، ولَمْ نَتَقلّدْ غَيرَهُ دِينَا
بِنْتُم وَبِنّا، فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا = شَوْقاً إلَيكُمْ، وَلا جَفّتْ مآقِينَا
نَكادُ، حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمائرُنا، = يَقضي علَينا الأسَى لَوْلا تأسّينَا
وهذه القصيدة آية من آيات الشعر العربي, بل والعالمي, ولو لم يكتب ابن زيدون غيرها لاعترف له مؤخر الأدب بالإبداع سبكا ولغة وإلهاما, وهي ليست قصيدة حب وحنين فقط, فحفظها كان من شروط التحلي بالظرف والأدب عند الأندلسيين, إلى جانب التختم بالعقيق , ولبس البياض, والتفقه للشافعي, ودراسة أدب الجاحظ.
ومما يسترعي الانتباه في شعر ابن زيدون الوجداني طابع الحزن واللوعة , لأن أيام الصفاء في حبه لولادة لم تدوم طويلاً, ولو لم يحصل الجفاء بينهما, ومن ثم الهجر والفراق, لما حظينا بتلك الروائع التي بث فيها أمله وعتبه, ووجده وشكواه. وأنا لا آتي بشيء جديد إذ أقول: إن افتراق العشاق كان وما زال يفجر مواهب الأدباء والشعراء منهم في تاريخ الأدب العالمي. ولقد ترجم النونية المستعرب الإسباني الأستاذ ((إميليو غارثيا غوميث))
ونشرها في كتاب قيم أعده عن شعراء الأندلس, فوجدها ملائمة للذوق الغربي, وعلق على البيت التالي منها:
حالت لفقدكم أيامنا فغدت = سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
فكتب ما يلي: ((يخيل إليك وأنت تمعن النظر في هذا البيت أن ابن زيدون جالس أمام رقعة شطرنج, يتصرف بتحريك حجراتها البيض والسود, فكأنه يخوض شوطاً يائسا حيال حبه العظيم!)).
الحب في رأي ابن زيدون عاطفة نبيلة, والخضوع فيه للمحبوب عز, وليس إذلالا , وعدا أنه كان ينحدر من قبيلة بني مخزوم القرشية فقد وجد نفسه دون حبيبته الأميرة الأموية شرقا في النسب, وأكد لها أن حبه الكبير وكل حب عظيم, يزيل الفوارق بين المحبين.
ما ضَرّ أنْ لمْ نَكُنْ أكفاءه شرَفاً = وَفي المَوَدّة ِ كافٍ مِنْ تَكَافِينَا؟
إن مناجيات ابن زيدون لولادة في غربته عنها تنبئ عن صفاته الإنسانية الجميلة, ومن أهمها الوفاء والإخلاص, وتنبئ عن آلامه وخشيته من غدرها به, لعلمه بان خصومه في قرطبة , وعلى رأسهم ابن عبدوس, قد أوغروا صدرها عليه, طعماً في استمالتها إليهم, ومن هذه المناجيات المؤثرة نذكر مخاطبته لها عندما بعث إليها بالأبيات:
أيُوحِشُني الزّمانُ، وَأنْتَ أُنْسِي= وَيُظْلِمُ لي النّهارُ وَأنتَ شَمْسي؟
وَأغرِسُ في مَحَبّتِكَ الأماني= فأجْني الموتَ منْ ثمرَاتِ غرسِي
لَقَدْ جَازَيْتَ غَدْراً عن وَفَائي= وَبِعْتَ مَوَدّتي، ظُلْماً، ببَخْسِ
ولوْ أنّ الزّمانَ أطاعَ حكْمِي =فديْتُكَ، مِنْ مكارهِهِ، بنَفسي
كما أنه حين اختياره للأوزان الخفيفة والقوافي الجزلة من أهم مزايا تلك المناجيات, ومنها:
متى أبثك ما بي = يا راحتي وعذابي؟
ما البدر شف سناه = على رقيق السحاب
إلا كوجهك لما = أضاء تحت النقاب
أما قصائد حنينه لقرطبة بعد نزوحه عنها فإننا نجد فيها لوعة الذين يغتربون عن أوطانهم وأحبتهم ومرابع طفولتهم, فالإنسان خلق ألوفا, ولا أحسب أن شيئاً يضنيه أكثر من فراق الأرض التي أنبتته, والأماكن التي قضى فيها صباه , إذ مهما أمتد به العمر يظل حبها متأججا في ضلوعه, ويبقى حنينه إليها مشتعلا في قلبه.
ولقد عاش ابن زيدون نصف عمره في الغربة , ولقي كل حفاوة وتكريم في بلاط بتي العباد بإشبيلية كما هو معروف, وتولى الوزارة فيه, كما أحيط برعاية بالغة في زياراته المتعاقبة لملوك الطوائف وأمرائها , أمثال بني الأفطس في بطليموس , والأمير إدريس بن المظفر في ملقة , ولكن المجد الأدبي والمناصب الرفيعة لم تنسه حبه الأول, وهيامه بقرطبة, فظل ينشد القصيد تلو القصيد, دامي القلب دامع العين:
يا دمع صب ما شئت أن تصوبا = ويا فؤادي آن أن تدوبا
قد ملأ الشوق الحشا ندوبا = في الغرب إذ رحت به غريبا
عليل دهر سامني تعذيبا = أدني الضني إذ أبعد الطبيبا!
وعندما طالعه العيدان, عيد الفطر وعيد الأضحى المباركان, وهو في ضيافة الأمير العالم المظفر بن الأفكس أنشد قصيدة عبر فيها عن حنينه الشديد, هذه مطلعها:
خليلي لا فطر يسر ولا أضحى = فما حال من أمس مشوقاً كما أضحى
كما أن له مخمسة رائعة صب فيها بديار صباه , وشوقه لموطن هواه, وضمنها وصفا لتلك الديار , أطلعنا بفضله على ما كانت عليه قرطبة من بهاء وازدهار, فذكر مواقع ومنتزهات كانت عامرة في عصره منها الرصافة , وهي المنتجع الذي بناه الخليفة عبد الرحمن الثالث بجوار قرطبة , حيث ضمن بستان , يقع بالقرب من أحد أبواب قرطبة الواقع في شمالها , وأما عين شهدة, فقد كانت ينبوعاً ثرا ينبجس من سفح الجبل المجاور لقرطبة, يقصده الناس لا للتنزه والسمر في الليالي المقمرة .
ولا بد من الإشارة إلى أن المخمسة التي ذكرها تكاد تكون ملحمة في شعر الشوق والحنين ومطلعها :
أقرطبة الغراء هل فيك مطمع = وهل كبد حرى لبينك تنفع؟
وهل للياليك الحميدة مرجع = إذ الحسن مرأى فيك واللهو مسمع
وقبل أن توافيه المنية ببضعة أشهر قرت عين ابن زيدون بالرجوع إلى قرطبة مظفراً بصحبة حملة عسكرية أرسلها المعتمد بن عباد لإنقاذها من هجوم جيش ملك طليطلة عليها, المأمون بن ذي النون سنة 464هـ وكان مريضاً حينذاك فاشتدت به العلة ومات ودفن غريبا عن مسقط رأسه, وهو دون السبعين من عمره ، فقد ولد سنة 1003م,وتوفي سنة 1070م.
كان نبوغه في الشعر مواكبا لنهضة أدبية وفنية كبيرة في الأندلس, ومع أنه لم يكن شاعر الحب الأوحد في القرن الحادي عشر الميلادي فيها, فقد كان المجلي في ميدانه, لأنه أبدع قصائد رائع , نابعة من تجربته العاطفية المثيرة ومعاناته الصادقة في الاغتراب عن مدينته الأثيرة قرطبة, ولولا تفرده بعذوبة السبك وجزالة الأسلوب , ورقة النبرات وصدقها لما كتب الخلود لشعره في الحب والحنين الذي ما زال يطربنا ويشجينا بعد انقضاء تسعة قرون على زمن أنشاده.
أملي أن يستفيد الجميع .. ولا عدمت تواصلكم وملاحظاتكم
أخوكم / حلم المساء